الاثنين 27 فبراير 2017 - -2:39إتصل بنا |
خطبة الإمام.. قصة الولد الضائع

الكاتب : سيدي بنور بريس | 24/11/2015 09:49 | التعليقات : 0

خطبة الإمام.. قصة الولد الضائع


بقلم : ذ.حسيني عثمان

على عتبة المسجد، قررت ألا اترك عقلي عند موضع الأحذية، أدخلته معي خلسة، تركت حذائي، لكن لم أشأ البتة أن اترك عقلي خارجا. دخلت المسجد بعد أن توضأت كما يتوضأ الناس، وصلّيت ركعتين تحية للمسجد كما يفعل الناس، وحملت القرءان لأقرأ منه نزرا كما يفعل الناس. بعدها طوق صوت غريب المكان، توقفت همهمات الناس وتراتيلهم الصامتة فجأة، وقبله، "تصفيقة" غريبة آتية من الأمام، عرفت فيما بعد أنها إذان بدخول إمام المسجد. توالت التكبيرات والآذان ثلاث، مرة بعدة مرة بعد مرة، وفي كل مرة يتغير صوت المؤذن، إنها السنة كما يقولون جميعا. خلف غيمة الصمت تلك، ظهر الإمام بتلابيبه البيضاء وهو يمشي بتثاقل شديد، استقر به المقام على منبر مزخرف، حاملا عصاه الغليظة، أخرج من قبّ جلبابه وريقات مهترئة، تبدو صفرتها واضحة وهشاشتها بادية. استوى الإمام على المنبر مطلقا حنحنة، قبل أن يخاطب جموع المصلين المسلمين، دون سواهم، أن موضوع خطبة اليوم هو "التسامح" .
انشرحت نفسي تحمسا لموضوع الخطبة، آه، ما أجمل الأمر، هذا اليوم سيقدم لنا الإمام موضوعا إنسانيا راقيا. عاد الإمام ليبسمل حمدا لله الذي انعم على المسلمين دون سواهم بنعمة التسامح، مستشهدا بالأثر الديني من نصوص مقدسة وروايات تاريخية تظهر أن المسلم ـ أكثر من غيره ـ عنده قابلية للتسامح مع من يختلف معه عقائديا، وان مرجع هذه القابلية هو الأثر المقدس الذي تركه الأنبياء والرسل وأئمة المسلمين.

عقلي اللعين تحرك، وأنا الذي كنت قد أدخلته خلسة، بدأ يشتغل، بدأ يفكر: يحلل ويركب ويفهم ويتخيل ويتصور ويثبت وينفي ويتصور ويريد. فكرت أن أسأل من هم في جانبي، لكن، تذكرت حديث اللغو "فمن لغا فلا جمعة له" .. استرسل الإمام في تقديم "خطبة التسامح" مستشهدا هذه المرة بسماحة النبي محمد عليه السلام مع أهل الطائف الذين اعتدوا عليه بالضرب إلى أن أدميت قدمه، ولولا السماحة لجعلهم بين الثقلين. ومع سادة قريش الذين طاردوه وهجروه وحاصروه ووصفوه بشتى النعوت البذيئة، ومع جاره اليهودي الذي كان يؤذيه كل يوم، ومع ذلك عاده الرسول عند مرضه. عيناي زاغتا فبدأتا ترمقان تورع الناس المصلين في هذه الشهادات التاريخية.
جلس الإمام لحظة، والناس تمتم ببعض الأدعية، وأيديها مبسوطة. ظلت حواسي منشغلة بما يقوله الناس في سرهم، ماذا يطلبون من الله، المغفرة لأنهم مذنبون أم التوبة لأنهم عاصون أم يطلبون السداد في أعمالهم والصلاح لأولادهم ؟ كثرت تخميناتي فلم انتبه إلى أن لحظة الصمت تلك قد انتهت، وأن الإمام قد عاد للوقوف على المنبر. كل من حولي بدأ يتمسح جبينه قبل أن يقبل أطراف أصابعه، وأنا فعلت مثلما يفعل الناس، دون ان استجدي دعوة واحدة، دون أن أطلب من الله شيئا.
وقف الإمام من جديد، عاد للحديث عن التسامح، وهذه المرة، بنبرة متحشرجة وبقبضة يده الغليظة أمسك عصاه. من دون أوراق راح يقرع المسلمين المصلين على صمتهم اتجاه ما يحدث لإخوانهم في مختلف بقاع الأرض في البوسنا والهرسك والشيشان وبورما وأفغانستان والعراق وفلسطين وفي كل مكان. الإمام يقرعنا جميعا، وقد بدا وكأنّ شرارا يتطاير من قبضة يده وهو يضرب بعصاه الغليظة على المنبر، رذاذ لعابه يتطاير في كل الأنحاء، نظرات أعينه بدت غائرة موحشة غريبة تشعرك بخوف من شيء ما. وقد علمت فيما بعد أن المسجد يكون عامرا في خطبة الجمعة من اجل هذه اللحظة التي تتحول فيها نظرات الإمام وكلماته وكل شيء فيه، من أجل هذه اللحظة يأتي المسلمون من كل حدب وصوب ليشاركوا الإمام دعواته رافعين أكف الضراعة إلى الله .
بدا الإمام بدعوات الختام، رفع الناس اكفهم تضرعا إلى الله، حتى أنا، رفعت أكفّي والإمام يردد : "اللهم دمر النصارى الصليبين، واليهود الغاصبين والشيعة المرتدين، والمجوس الشياطين .. اللهم دمرهم تدميرا .. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك .. اللهم خذهم مددا ولا تبقي منهم أحدا .. اللهم رمّل نساءهم ويتّم أطفالهم واحرق زرعهم واقطع نسلهم ..اللهم مزقهم كل ممزق.. يا شديد البطش.. يا شديد البطش اقهرهم وأهلكهم".
على هذا النحو استمر دعاء الإمام، والناس في خشوع تردد: "آمين يا رب العالمين". أما أنا فلم احتمل الوضع، عقلي اللعين خرج مرة أخر وجعل فمي يكف عن ترديد الأدعية، ويداي مقبوضتين إلى جنبي بعدما كانتا مبسوطتين إلى السماء، حاولت أن أتحاشى تدخل العقل، طلبت منه أن يتركني لشأني الإيماني، لأكمل خطبة التسامح واستخلص المواعظ والعبر. طلبت من هذا العقل اللعين أن يتركني أنال تواب خطبة الجمعة. ما بالك أيها العقل تتدخل، انظر أيها العقل، إن الناس جميعهم يستجدون الله أن يلحق بأهل الكفر من اليهود والنصارى والشيعة، السوء. تأمل، لتقرأ في نظرات أعينهم الباكية دموع الغضب. تأمل سحناتهم كيف تبدلت وتلك العلامات الإيمانية كيف تكدرت. هاهم غاضبون، سيخرجون بعد الصلاة ليقتصوا من الصليبيين، من اليهود، من أعداء الدين إخوة القردة والخنازير. سيحرقون كنائسهم وسيقاطعون بضائعهم، سيغلقون محلاتهم، ويغتنمون أرزاقهم، وما ملكت إيمانهم من النساء والغلمان هو حلال عليهم .
انتهى دعاء الإمام، سقطت الأقنعة. انكشفت الوجوه على حقيقتها البالية. قام الجميع إلى الصلاة بعد أن نزل الإمام من منبره واتجه صوب المحراب. أما أنا فمازلت جالسا، مشدودا مذهولا من حجم التسامح الذي دعا الإمام إليه اليوم. مازلت جالسا، أصارع نوايا هذا العقل اللعين، ارجوه أن يكف عن التفكير لكي لا يوقعني في الخطيئة، فانا هنا للصلاة، لزيادة الإيمان، لطاعة الله والتقرب من مرضاته. وطاعة الإمام من طاعة الله. ماذا افعل أمام هذا التناقض الذي أوقعني فيه الإمام؟ هل اصدق وداعة التسامح أم وحشيته؟ لماذا لم يتوقف عند حد السرد التاريخي لأحداث مرت وانقضت؟ لماذا انتهى إلى هذا الحقد الدفين؟ هل تستقيم دعواته الأخيرة مع خطاب التسامح الانساني ؟... على هذا النحو، استمر المخاض في داخلي. حاولت أن أموّه عقلي، قلت : ربما الإمام لا يعني كل ما قاله.. ثم، إن هؤلاء الكفرة الفجرة من النصارى الصليبين واليهود الغاصبين والشيعة المرتدين وغيرهم من المجوس وكل الملحدين، هؤلاء جميعهم أساء للمسلمين، والعين بالعين والسن بالسن والبادي اظلم.
كثرت التساؤلات اللعينة في ذهني، وحدي جالسا، غارقا، تائها ، ضائعا، لم أنتبه إلى أن الناس أقاموا الصفوف وحرصوا أن تكون مستقيمة، فالله لا ينظر إلا إلى الصفوف المستقيمة ، هذا ما سمعته من الإمام ذات مرة. ايها المسلمون المصلون الخاشعون القانتون، حادوا المناكب والأعقاب. ووقفوا جاثمين، أنا كذلك فعلت. كبّر الإمام تكبيرة الإحرام، والجميع كبّر، حتى أنا كبّرت معهم، لكن لم تتعالى إلا تكبيرة المؤذن لان لها نبرة خاصة وفريدة. بدأ الإمام يتلو سورة الفاتحة ومعها مقطعا من سورة الكهف :

"قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن اعتدنا للكافرين نارا أحاط بهم سراديقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجود بئس الشراب وساءت مرتفقا".

ركعنا وسجدنا، وعقلي مازال مندهشا منشغلا، محموما هائجا، مذعورا متوجسا مصعوقا ...، عاد الإمام للقيام من جديد، فقرأ سورة الفاتحة ومعها مقطع من سورة أخرى، ركعنا وسجدنا قبل نشهّد ونسلم يمينا ويسارا . حاولت أن القي تحية على من هم بجانبي، لقد رأيت الناس يفعلون ذلك، هذا العجوز الخرف الذي سمعته يدعو الله أن يبارك له في عمره، لم يشأ أن يسلم علىّ وهو غارق في إيمانه، لا يريد أن يضيّع عليه هذا الولد الضائع الأجر، فالباقيات الصالحات خيرا عند ربك توابا وخير أملا. وقفت لأنصرف من المسجد، لكن عند الباب لاحظت أن هناك تدافعا شديدا، الكل يريد الخروج أولا، رمقت عيني بعض العجزة وهم يصارعون للخروج من الباب، لكن اندفاع الشباب والفتية يمنعهم فيشتطون غضبا، قلت في نفسي، لماذا لا يكون الناس متسامحين مع بعضهم البعض فيخرجون دون تدافع ودون أن تطأ أقدامهم أي شيء تصادفه؟ رجعت إلى الوراء انتظر أن تهدأ الأوضاع قليلا، فرأيت حشدا آخر من الناس يتجه نحو الإمام، اقتربت قليلا لأتبيّن الأمر، فعرفت أن الناس يستجدون دعوات الإمام ليبارك لهم في أولادهم وأرزاقهم وأنهم يستشيرونه في أمور دينهم ودنياهم. يقفون أمامه صفا صفا، حتى إذا اقترب منه أحدهم، يضع يده على رأسهم فيتمتم قليلا، قبل أن يقبّل يده ظاهرا وباطنا.
هذه فرصتي إذن، سأحاور الإمام، سأسأله أن يوضح لي بعض الأمور، ويجيب عقلي على بعض التساؤلات التي يطرحها بإلحاح شديد. تحمسنا للفكرة؛ أنا وعقلي، انتابنا شعور غريب، سنسأل الإمام عن كل تلك الدعوات الحاقدة التي ألقاها على المخالفين معه دينيا وعقائديا، سأسأله عن انسجام مثل هكذا دعوات مع خطاب التسامح، عن المفهوم الكوني للتسامح...، بينما استمرت غزارة التساؤلات تنهال عليّ، انتابني توجس غريب؛ ماذا لو رآني الإمام قد أدخلت عقلي إلى خطبة الجمعة، هل سيقرعني؟ هل سيبطل صلاتي؟ ماذا لو اعتقد أنني متمسح ببركاته طامع في دعواته، هل سيفهمني؟ ماذا لو سألته وانزعج، هل سيتركني انصرف لحالي سبيلي ام سيشكك في نوايا ويقول في الناس إن هذا الولد، مارق أفاق يشك في خطبتي ويرتكب خطيئة السؤال؟ أعرف، الناس يصدقونه في كل شيء، نعم انه إمامهم. وليتهمني بما يشاء، لم ارتكب خطيئة، أريد أن أطفئ دهشتي واشبع رغبة السؤال؛ فالدهشة تعبر عن نفسها بالسؤال والسؤال يقود إلى المعرفة، فهل المعرفة خطيئة عند الإمام وهو الذي علمنا أن اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد؟ ثم، مالي لا اشك، فطالما كان الشك تفكيرا فلا فارق بين كوني اشك وكوني أفكر .
سأنتظر حتى يفرغ الإمام، انه وحده ألآن، سأتجه إليه وليفعل ما يشاء وليتهمنا بما يريد. أنا واقف أمامه، وقبل أن انبس ببنت شفة، وضع الإمام يده على رأسي ودعا لي بالهداية والصلاح ثم انصرف. انصرف قبل أن أسال، انصرف قبل أن يجيب، انصرف مثلما ينصرف الجميع. لم يبقى في المسجد غير هذا الولد الضائع، وقفت أتأمل الفراغ المطبق على روحي، أتأمل هذا المكان الذي كن يعج بالناس، ويصدح بالأدعية والتلاوات. وحدها رائحة البخور تحاول ان تخترق هذا الصمت الرهيب الذي كاد يلتهمني لولا صوت القيّم على شؤون المسجد دعاني للخروج، اتجهت نحو الباب، نظر اليّ مستغربا بقائي، لم يسألني شيء، فقط دلني على موضع الأحذية .

 

تعليقات على الفايسبوك
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات

موقع سيدي بنور بريس جميع الحقوق محفوظة 2016