الأحد 23 أبريل 2017 - 5:35إتصل بنا |
رغبة الأبناء أحيانا في الانتحار

الكاتب : ابراهيم العدراوي | 08/02/2014 13:08 | التعليقات : 0

رغبة الأبناء أحيانا في الانتحار


اخترت لكم

من الظواهر الإنسانية والاجتماعية التي تثير الرأي العام المحلي في الآونة الأخيرة ظاهرة الانتحار.
ولأن الأمر يحتاج إلى نقاش عميق، والانفتاح على ما أنتجه الفكر الإنساني في مقاربة
الظاهرة...اخترت لكم مقالة مهمة من كتاب الدكتور محمد زياد حمدان وهو أحد رواد الفكر التربوي العربي المعاصر للتقاسم وتعميم الفائدة.

مقدمة

الانتحار هو أخطر أنواع العنف التي يمكن للابن أو الابنة ارتكابه لأذى النفس بإنهاء حياتهما الدنيوية قسراً بصيغة غير قدرية: غير شرعية وغير طبيعية. ولا يصل الشاب اليافع ( المراهق ) إلى هذه النهاية المسدودة التي تتساوى معها في نظره الحياة والموت،، إلاّ عند معاناته النفسية الحادة حيث ترفضه الأسرة تماماً أو تتخلى عن أي اعتبار لمطالبه أو حاجاته، سواء كانت هذه نفسية أو اجتماعية أو مادية.

             ومشكلة الانتحار هي عصيبة وعالمية عامة، تواجهها معظم المجتمعات في العالم بدرجات متفاوتة.. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يشكل الانتحار ثالث عامل لموت الشباب اليافعين بعمر15- 24 سنة،، وسادس سبب رئيسي في موت الأطفال بعمر9- 14 سنة!؟

    أما في البيئات النامية بما فيها أقطارنا العربية، فمع محدودية ارتكاب الأبناء عموماً للانتحار بالمقارنة بما يجري في الغرب، إلاّ أن العديد منهم يعيش رغبات الانتحار أو محاولات الوقوع فيه نتيجة الصعوبات المدرسية أو الأسرية.. أو الاجتماعية المرتبطة بعلاقات مع الأقران.

             ويظهر التفكير في الانتحار وارتكابه أحياناً خلال مرحلة الشباب اليافع(المراهقة)، بسبب نقص معارف وخبرات الأبناء في سد حاجاتهم الشخصية المختلفة ذاتياً ثم لخلل حاد في تعامل البيئة ( أسرة أو أقرانا أو مدرسة ) معهم، مؤدياً لاختيارهم الموت على الحياة بالانتحار.

    وفي العموم، نلاحظ في الحياة الدنيا نوعين رئيسين للانتحار: انتحار نفسي للذات البشرية (أي انتحار الحياة الفردية مع البقاء الاسمي أو الشكلي على قيد الحياة).. وهذا النوع  يتجسد بدرجة رئيسة في عمالة الأطفال والمتاجرة المتنوعة بهم ثم عمالة الرقيق الأبيض وعمالة السخرة التي يقضي العديد من الأفراد والجماعات والشعوب عبر العالم حياتهم فيها، بدون أي عائد عليهم حتى نفسياً أحياناً..

 وهذا النوع سائد عموماً في بلاد الشرق وفي البلدان النامية بوجه خاص...ثم الانتحار المادي للنفس البشرية بقتل الجسم الذي تحل فيه لتَتوه في عالم الغيب غير المُرضي كما تؤكد تعاليم الله... إن هذا النوع الثاني من الانتحار يبدو منتشراً في الغرب بوجه عام.

أسباب عامة لمشكلة انتحار الأبناء

     من أهم الأسباب الملاحظة على الأبناء في رغباتهم وارتكابهم للانتحـار الأمثلـــة التالية:

1-              خبرة مشاعر حادة من الحصر النفسي والحيرة والشك بالذات والقدرات الفردية على البقاء.

2-    المطالب المُلحة المتواصلة للأسرة على الدراسة والنجاح والتفوق بأكثر مما يستطيعه فعلياً الطفل أوالشاب اليافع ( المراهق ).

3-    الظروف المادية الصعبة والشعور بالتهديد من الحاجة وغموض المستقبل.

4-    نزاعات وتفتت الأسرة وانفصال أو طلاق الوالدين، ودخول الأبناء في حياة مشوشة جديدة مع زوج الأم أو زوجة الأب،، ومع الأخوة من زواجهما السابق أحياناً،، وما يرافق ذلك من منافسة أو تحيّز أو إهمال أو رفض لا يستطيعون الصبر عليها أو التكيف معها بغير الانتحار.

5-    الانتقال المفاجئ إلى مجتمع جديد أو بيئة أخرى مختلفة، يفقد معه الأبناء سيرتهم الواقعية الذاتية الماضية، ويشعرون بالنتيجة بالضياع والانقطاع النفسي والاجتماعي والشك الذاتي بقدرتهم على الاستمرار والبقاء.

مؤشرات تحذيرية لرغبات الأبناء في الانتحار

              عندما يذكر الابن أو الابنة مباشرة أو غير مباشرة رغبته في الانتحار، يجب على الأسرة أن تأخذ الأمر على محمل الجد، وفورياً بعين الاعتبار.. دون إهمال أو عدم تصديق ذلك، أو التأجيل لوقت آخر.. لأن الكلام العابر قد  يتحوّل إلى فعل في أي لحظة، وتفتقد الأسرة عزيزها للأبد؟! ومهما يكن يمكن للأسرة الالتفات للمظاهر والمؤشرات التالية على الأبناء، للتنبّه الى رغباتهم بالانتحار:

1-    تغيّر حاد في عادات النوم والأكل.

2-    الانسحاب من علاقات الأقران والأصدقاء وحياة الأسر والأنشطة اليومية العادية.

3-    تصرفات العنف والتمرد على الأسرة والاختفاء بعيداً لمدة غير معتادة  من الابن أو الابنة.

4-    استعمال الكحول والمخدرات.

5-    الإهمال في المظهر الشخصي العام بشكل غير مسبوق.

6-    التغييرات الشخصية للأسوأ.

7-    الملل الدائم وصعوبة التركيز وسوء الإنجاز أو التحصيل المدرسي.

8-    الشكوى المتكررة من آلام جسمية مرتبطة عادة بالانفعالات المتقلبة التي يعيشها الابن أوالابنة مثل آلام الرأس والمعدة والإجهاد العام.

9-      فقدان الاهتمام بالأنشطة والحوادث والمناسبات المفرحة.

10- رفض المديح والمكافآت التي ُتمنح له.

11 الشكوى الذاتية المسموعة من كونه شخص سيء أو إنه خرب من الداخل.

12- التحدث عن تغييرات مثل: سوف لا أكون مشكلة لكم طويلاً ! لا يوجد شيء هــــــــام في هذه الدنيا! لا فائدة من الوضع! أو سوف لن أراكم مرة أخرى.

1-    الترتيب المفاجئ لسريره وأمتعته وغرفته بالأسرة،، أو إعطاء ممتلكاته المفضلة للأخـــوة أو الأصدقاء – وتنظيف غرفته وترتيب سريره، ورمي حاجاته الهامة مثل الملابــــس والكتب والألعاب...

14-الظهور فجأة مرحاً مسروراً بعد مدة من الاكتئاب.

15-إظهار علامات مرضية نفسية مثل الهلوسة والأفكار الغريبة.

مراحل سلوكية لرغبة الأبناء في الانتحار

     تتلخص هذه المراحل المأساوية التي قد يمر بها الأبناء، وصولاً لأسوأ قرار يمكن أن يتخذه الإنسان بحق نفسه: الانتحار، بالتالي:

1-    التذمر المتكرر والشكوى المتواصلة من الظلم وسوء الحياة.

2-    الإلحاح في التعبير عن الحاجات الشخصية ( مهما كان نوعها )، وفي الطلب من الأسرة الاستجابة لها.

3-    الشعور بخيبة الأمل واليأس والاكتئاب نتيجة إهمال الأسرة وعدم استجابتها لآمال وحاجات الابن أوالابنة .

4-    الانعزال جانباً والصمت والسرحان معظم الوقت واللجوء إلى المخدرات أحياناً عند شدة الحالة النفسية.

5-    البدء بالحديث إيجابياً عن الموت ومحاسنه في الحياة وعن آلاته ووسائله وحوادثه لدى بعض المعارف أو مما يسمعه في الأخبار.

6-    ارتكاب الانتحار في حال إهمال الأسرة وعدم انتباهها للمراحل الخمس السابقة لدى الابن أوالابنة، وعدم اتخاذها خطوات فورية علاجية بمساعدة جهات نفسية متخصصة للتغلب على رغبات الانتحار.

التوجيه الأسري للتغلب على رغبة الأبناء في الانتحار

    عند إهمال الأسرة وعدم انتباهها لمشاعر وتعبيرات الأبناء المرتبطة بالانتحار.. وتحولّهم من الحديث المتفرق عن الموت إلى الرغبة فيه ومحاولة ارتكابه.. تعمد الأسرة فوراً في هذه الحالة إلى مراجعة طبيبها الخاص أو طبيب نفسي مختص بالأطفال والمراهقين للقيام بالتشخيص والعلاج اللازمين.

   أما الأنجع وقائياً من رغبات ومحاولات الانتحار، هو قيام الأسرة بالحديث والتفاعل مع أبنائها ومتابعة تطوراتهم وحاجاتهم اليومية.. وإخراجهم من حالات الشرود الذهني والاكتئاب والعزلة التي قد يلجأون إليها عند الحاجة وخيبة الأمل أو اليأس بخصوص تحقيقها.  

     نقـــــدم فيما يلي مهما يكن سبع خطوات إجرائية للتوجيه والتربية الوقائين من الانتحار لدى الأبناء هي:

1-        حب الأبناء والحنان عليهم والانتباه لحاجاتهم ولما يقولون ويفعلون. إن الحب الأصيل ( غير المصلحي ) يقرّب الإنسان من الإنسان ويؤدي إلى حميمتهما ولحمتهما معاً. كما أن الانتباه واليقظة يزودان الأسرة بمعرفة الأبناء في الواقع، والاستجابة أولاً بأول لحاجاتهم النفسية والاجتماعية والمادية في الوقت المناسب.

2-        التفاعل مع الأبناء في الحديث وجلسات مشاهدة الفضائيات والمناقشة معهم وفي الأنشطة الأسرية بما فيها وجبات الطعام اليومية ومشاركة الرأي(دون الإملاء) في اللباس والشراب واختيار الأصدقاء والأصحاب والحوادث والنجاحات أوالصعوبات المدرسية. إن التفاعل الممزوج بالحب والحنان والاهتمام والانتباه،، يقلص الفجوة الاجتماعية والنفسية بين الأسرة والأبناء لأقل درجة ممكنة.. ويحوّل مجال الاتصال فيما بينهم إلى خطوط مزدوجة أفقية سريعة ذات اتجاهين في آن: إرسال واستقبال معاً.

3-        الشرح والتوضيح العملي والواقعي لما يحتاجه الأبناء من معارف ومهارات وكفايات ومواقف واستخدامات للأشياء والزمان والمكان. مع التأكيد هنا على تجنب استعمال الإلقاء والمحاضرات والأوامر والنواهي والتذكير والتنبيه والتحذير.. بل بالتوجيه والتعليم والتربية بالقدوة الحسنة والأساليب العملية في الواقع، وغير المباشرة عموماً لكونها الأجدى غالباً في قبول الأبناء لتعاليم وإرشاد الأسرة وإستيعابها والتركيز على تحصيلها.

4-        التوجيه والإرشاد لحاجات ومهارات النمو والتفاعل والتعليم للأبناء.. لمزيد من التركيز والتفعيل لقدراتهم وتحصيل حاجاتهم بقليل من هدر الوقت والإمكانيات والرغبات لديهم،، ثم لممارستهم المهارات والإنجازات الجديدة في المواقف الأسرية والحياتية في الواقع.

5-        تجنّب التناقض. الأسرة هي في الأحوال العادية للتربية والحياة الأسرية، قدوة ونموذج للأبناء.. لذلك يستحسن دائماً المحافظة على استعمال مبادئ السلوك والتفاعل والتعامل الإيجابي في إدارة الأسرة ومع الأبناء. فالصحيح هو صحيح والخطأ هو خطا في كل ظروف الزمان والمكان، مهما كانت المبررات والمواقف والمعارف والغرباء وغير ذلك من تفاوتات.. الأمر الذي يقتضي من الأسرة التوافق مع نفسها والأبناء في التصرف والخلق والميول.

6-        تجنب العنف في تعلم وإرشاد وتوجيه وتربية وتصحيح الأبناء. العنف هو سلوك خاطئ.. ودائماً لا يحسن بالأسرة علاج أي خطأ يرتكبه الأبناء بخطأ مثل العنف اللفظي أوالنفسي أوالجسمي أوالاجتماعي... بل معاملة الأبناء وتوجيه وتصحيح أخطاءهم بالمعروف والحسنى والاهتمام.. ولكن بموضوعية وحزم في الوقت نفسه.

متابعة الأبناء في حياتهم وتطوراتهم وحاجاتهم ومداخلاتهم في الأسرة وخارجها في المدرسة والحي والمواقف الاجتماعية العامة الأخرى... وذلك سعياً لهدفين: التأكد من حسن سلوكهم ومهاراتهم ونجاحهم في الواقع الميداني للحياة، ثم للتعرف على حاجات طارئة: نفسية واجتماعية أوتعليمية أومادية يواجهونها،، حيث يشعرون بوقوف الأسرة معهم وتعزيزهم عند حاجاتهم، وبقيمتهم الذاتية وثقتهم بأنفسهم على النجاح في مواقف الحياة المختلفة: الأسرية والمدرسية والاجتماعية.. ولبعدهم بدون شك عن التفكير بالانتحار أو الرغبة فيه (من كتاب/  إنحرافات سلوكية للأسرة والأبناءوكتيب/عنف الأسرة والأبناء. نشر دار التربية الحديثة بدمشق، 2006).

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات

موقع سيدي بنور بريس جميع الحقوق محفوظة 2016