الاثنين 23 يناير 2017 - 3:30إتصل بنا |
شوك في طرق الذاكرة

الكاتب : سيدي بنور بريس | 18/06/2016 03:05 | التعليقات : 0

شوك في طرق الذاكرة


رشيد بفقيه

-4-

 

نظر إليها مليا .. للمرة الاولى كان يتفرس ملامحها من هذا القرب ، صدق في حدسه عندما اعتبرها فاكهة الارض التي لم ينضج مثلها في أي بلد و لم يتوقف مطولا إلا عند العينان و محيطهما ، كانتا مرآة الروح و استطاع بحدسه الأصيل ان يقرأ روحا تشبه هذه الارض في أصالتها .
-
السلام .. رد بعد لأي ، بحروف خرجت من حنجرته مهموسة لا تكاد تبين عن معنى .
ابتسمت "زهوة" بمكر و أشارت ملامحها مستفسرة

، دون ان تنطق

-السلام ..
ابتسمت ابتسامة عريضة و أكملت طريقها ، كاد ان يسمع ضحكة خافتة ندت عنها و هي تعبره ماضية في سبيلها .
لم يستطع ان يخبرها شيئا ، لم يستطع أن يخبرها كيف أنها لا تغادر فكره و خياله منذ شهور و لا عن المشاريع التي قضى الليالي الطوال يخططها لهما و لا عن العيون التي باتت تترصده و تندر بوأد هذا الوليد في مهده . لم يستطع ان يقرأ لها شيئا من أحاسيسه المكتوبة على صحائف القلب الشغوف بها و لا أن يعبر لها عن رغبته الكبيرة فيها .
-
ولكنها ستفهم كل شيء كل شيء .. أو ربما لا؟ أكمل هو الاخر طريقه و هو يتلفت متلجلجا في أحاسيسه و هواجسه و زاد يم الاحتمالات اضطرابا .
بتر سيل الذكريات و هو ينظر إلى ابنه يتقلب في مرقده و يتلوى بين الفينة و الأخرى تحت وطئ لسعات البعوض الذي بات يهاجم الآن بالجحافل .
تغير جو البلد مند ان حل بها الوباء و فتك بآخر "الجنانات" تغير ريحها و ترابها و قد اختلطت به تلك الأطنان من الضرك الميت .. خيط الذكريات يأبى الانقطاع و حبال الواقع ترفض ترك خياله يحلق إلى حيث يريد . و الليلة يكاد يتبسم صبحها .

 

بدأ كل شيء مند سنوات خلت عندما تسربت حشرة قشرية غامضة إلى "الجنانات" و بدأت تنسج اعشاشها محولة لون الضرك الأخضر الخالد إلى الأبيض الغريب المندر في نفس الوقت بأيام صعبة قادمة .

 في البداية كان تأثيرها محدودا و انتشر في مناطق دون أخرى و ظن الجميع أن تأثيرها سيكون عابرا و سينتهي الامر باختفائها بدون سبب كما كان ظهورها من العدم بلا سبب  و بأقل الخسائر ، لكن توالي الايام ثم الاسابيع ثم الشهور فتح أعين الجميع على حجم الكارثة التي حاقت  بهم ، لم يفد الحرق و القلع و الاستئصال المتأخر في قبر الكارثة كانت قد تسربت بما يضمن لها المقاومة و الاستمرار، بدأت وفود المصورين تتقاطر على الدواوير أحيانا لتعد التقارير الاخبارية . و تكاثرت زيارات المسؤولين ووعودهم و محاولاتهم العلمية و الغير العلمية ، لكن بلا جدوى كل ذلك و الحشرة الغريبة ماضية في غزواتها متنقلة بين الجنانات ثم بين الدواوير فاتكة مدمرة لا تبقي و لا تدر .

 مرت سنوات كثيرة قبل ان تتحول الكارثة إلى وباء انتقل بطريقة ما إلى الحيوانات و بدأت الهجرة نحو المدينة تحت وطأة الحاجة ، قلة قليلة ظلت صامدة إما بدافع الايمان بتغير الوضع و عودة الامور إلى نصابها أو تحت وطأة الفقر و ضعف الحيلة و كان ابارك ممن قرروا البقاء إلى النهاية .

سنوات كثيرة مرت على هذا ووحدها الذاكرة الآن لازالت حبلى بتلك اللحظات المريرة التي فتكت بكل ما هو جميل ، جحافل الناموس الذي كان يهاجم المنازل ليلا أصاب البعض بأمراض غريبة و بدأت القرى تودع هدوءها و لياليها المقمرة إلى ليال ليلاء يقضيها القرويون في حرب مفتوحة على هذه الاسراب المتكاثرة .

  

تعليقات على الفايسبوك
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات

موقع سيدي بنور بريس جميع الحقوق محفوظة 2016