الأربعاء 26 أبريل 2017 - 6:05إتصل بنا |
شوك في طرق الذاكرة

الكاتب : سيدي بنور بريس | 29/06/2016 11:42 | التعليقات : 0

شوك  في طرق الذاكرة


5-

 

ركب إلى جانب بوشعيب في "الكروصة" التي كانت تقل شخصا آخر سْعيد أو هكذا كان يدعى ..

و مضت العربة تقل الجميع ببطئ على الطريق يجرها جحش مغبر يبدو انه يحفظ واجبه جيدا و المتمثل في جر الحمل بصمت و بصبر و أناة إلى ان يقضي الله أمرا كان مفعولا ..

 لم ينبس أي منهم ببنة شفة إلا من بعض الأسئلة المقتضبة و التي كانت تجد أكثر اقتضابا منها ، طوال الطريق كان كل في عالمه الخاص .

عندما وصلوا كانت العديد من العربات قد سبقتهم و عرف من بين المتحلقين بعض الاشخاص من دواره  ومن دواوير أخرى . كان بعضهم واقفا في الوقت الذي تمدد فيه البعض قرب الحائط  علما منهم ان اللجنة لن تصل قبل العاشرة أو بعدها بساعات .

 و فعلا لم تحضر اللجنة إلا في ميعادها المضبوط متأخرة كالعادة . حشروا الجميع بعد لأي في مدخل باب الجماعة و وقف أحدهم مخاطبا الجميع ، شارحا مفصلا في أشياء لم يكن الكلام فيها ليقدم أو يؤخر شيئا .

-و غاديين نجربو الدوا الجديد ، علا و عسى يكون خير

و لكن هاد المرة ، الدوا راه بالفلوس غادي تخل...

سرت همهمة تحولت إلى اصوات استنكار ظلت حدتها ترتفع و تخبو لتعود للصمت

و تطلعت العيون إلى بعضها البعض في استفسار و تساؤل .


 

تساؤلات كثيرة تبادلتها العيون الصامتة و في الوقت الذي ارتفعت فيه بعض الأصوات متسائلة اختار آخرون الصمت ، و متابعة الأحداث غير مصدقين ربما أو في انتظار انقشاع الغبار لتعلن موقفها .

- الدوا اللي جبنا هاد النوبة مجرب برّا و غادي يهنيكوم من هاد الناموس و فرططو المرض و كلش ..

-ومنين غادي نخلصو؟.

-الثمن ماشي مشكل فكروا في النتيجة .

-واش كتضحكو علينا ؟

-لا ..لا .. معندنا منديرو بقلة الاحترام اللي عندو يش...

-و اللي ما عندوش ؟

حوار واضح النهايات ، استفز العديد من الهمهمات المتسائلة و التي سرت كالنار في الهشيم ، بدأت اللهجات تحتد و السحنات تتشنج ، عرف المسؤولون بعد مدة قصيرة أن الامور قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه .

-و اللي ما بغاش لا يكلف الله نفسا ..

جمعوا أوراقهم و عُلبهم و رحلوا كما جاؤوا تاركين القرويين لأسئلتهم و تعليقاتهم و للغبار .

مرت دقائق بعد ذهابهم ، ليظهر عبر الطريق من بعيد صوت سيارة اخرى ، كانت سيارة الغندور المرشح الذي انتعشت تجارته في هذه الايام ، تطلع اليها الجميع الى أن توقفت نزل منها و تقدم إلى الجمع الذي ارتفعت أصواته مرة أخرى محتجة ، رفع يده مسكتا الجميع موجها خطابه مباشرة للبعض ..

-هاد الشي ماشي معقول، نتفاهمو معاهم الناس جايين من ..

-اسي يجيو تا من ورا الشمس ..

أومأ برأسه موافقا منتظرا حدة الأصوات لتخفت

-أنا هادي رجلي من عندهم ، الفلوس ما غاديش تكون غير تهناو

-واش اللي يضمن؟؟

-أنا ..

ضمانات الغندور المتكررة كانت غالبا تنتهي بما لا تحمد عاقبته لكن لم يكن باليد حيلة ..بلغ السيف العظم ، لا حلول أخرى يا إما و يا إما .

وحده "امبارك " رفع عينه للسماء و تخفضها في صمت ، فقط هناك توجد الحلول ..

تلك السماء التي لبست الزرقة الحادة مند شهور طوال و لم تعد ترسل إلا غضبها على هذه الارض التعسة .. لو فقط تلبس غيومها لو فقط ترسل غيثها، لو فقط تعطي لذاكرة الارض طريقا للعودة عبر الشوك المحدق .. فقط عندها تكمن كل الحلول أما هنا فلا أمل ، من يتاجر بآلام الناس يستحيل ان يمنحهم الترياق ، ساديته تمنعه و تدفعه إلى الغرق في لدته و انتشائه بالأنين و الحطام ..

-يالله انت المعين..

انتهت المفاوضات و تم انتداب لجينة لتتحاور مع اللجنة و تنقل إلى اللجان الاخرى مواقفها و تم الاتفاق على لقاء قريب

قادتهم نفس "الكروصة "التي قدموا فيها صباحا في نفس الطريق التي سلكوها جيئة و قد جلس كل واحد منهم في نفس المكان الذي استقله في رحلة الذهاب .
ران على العربة نفس الصمت الذي كان رابعهم مند البداية ، و لم يتغير شيء تقريبا . تفصيل دقيق تغير تفصيل واحد هو سيرها تلك المجرورة المغلوبة على امرها في الاتجاه المعاكس .
الطريق إلى الدوار كانت تمر عبر منعرجات و مسارب كثيرة ، و كانت آثار و مخلفات الوباء واضحة جلية في بعض البقع حيث كانت رسوم ما يبس من الصبار لازالت قائمة ، كانت العين تنظر بحزن و القلب الصامت يدرع أزقة الذاكرة جيئة و ذهابا معيدا رسم شكل الطريق القديم مستحضرا ما فقد في هذه السنوات العجاف و كان بوشعيب يقود خلال كل هذا صامتا ساهما لا يبدو أن عينيه تنظران فعلا إلى ما يرى ، فقط يده كانت تقود العربة بدربة متمرس معتاد ولم يكن يبدو أنه يبدل مجهودا يذكر في ذلك .
إلى أين ؟ بعد ما وقع و ما لازال يقع إلى أين ؟ ارتسم السؤال مربكا في أفق تلك الرحلة .. إلى أين بعد هلاك الحرث أسيكون الوباء القادم على النسل أم على البقية القليلة الباقية من أمل يدوي يوما بعد يوم ؟
و ظل الجواب يراوح مكانه مترددا خافتا يعلو مرة و يخبو في رقصة مبهمة .. كصدى كلام ..
إلى غد يرفض الاستمرار في جلباب هذا اليوم المرير ؟ أم إلى أمس لا منفد منه لأي غد؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات

موقع سيدي بنور بريس جميع الحقوق محفوظة 2016