الأحد 23 أبريل 2017 - 19:40إتصل بنا |
شوك في طرق الذاكرة

الكاتب : سيدي بنور بريس | 12/06/2016 13:53 | التعليقات : 0

شوك  في طرق الذاكرة


بقلم رشيد بلفقيه .

حسرة عميقة أحسها تنبجس بكثافة داخله عندما زحف ابنه البارحة مقتربا منه إلى أن انتهى بجانبه ثم امسك بذقنه يلهو بها كما يفعل دائما حين يداعبه الوسن ، وطلب  منه بصوت ناعس :

-حدثني عن "الضرك"..

سرح في الماضي البعيد و حار ككل مرة من أين يبدأ .

-كنا ياوليدي ، وكان الخير.

أترى تلك الاراضي الشاسعة المترابطة في ما بينها ؟ في الماضي –يا وليدي – عندما كان المرء يرسل بصره لم يكن يمتد إلا لأمتار معدودات  قبل ان يحصره امتداد تلك النبتة .. البائدة . حتى جدتك –الله يرحمها في هذه الليلة- عندما كانت تطاردني لتعاقبني على زلة اقترفتها ، كنت أراوغها وأختبئ كالجرد الخبير بين الأشواك الحادة .

صمت  و نظر مليا إلى الصغير قربه و قد انتظمت أنفاسه بعد أن أخده سلطان النوم إلى عوالمه الخاصة .

وضعه برفق على الحصير الذي لم يكن على الأرض سواه مع بعض المانطات القديمة . ثم سرح في الماضي البعيد يقلب أوراقه .

و لأول مرة تنبه إلى تكرر حضور ذلك الصبار بخضرته الدائمة و بكثافته و شوكه الأسطوري في جل ذكريات طفولته . و آدنته الليلة بأنها ستكون الأطول منذ أسابيع .

سرح في الماضي الذي غدا بعيدا  بعيدا جدا الآن ، متنقلا بين أطلال الذاكرة المتعبة من محاولاتها المريرة للحفاظ على معان للحظاته المتفلتة .

 لم تكن علاقته بالأرض كعلاقة بقية أبناء المنطقة ، أولئك الذين يغدقون عليها من عرق سواعدهم و ينتظرون أن تجود هي الاخرى بالمثل ، هو كان يرى قطعة الارض و قد غطتها خضرة "الشمندر" كمقتطف من جنة مصغرة نزلت مع من نزلوا إلى الأرض .

كان شاعرا بدويا يقضي أشهرا مطولة في نظم أركانها تلك الارض القصيدة شبرا شبرا ، متفحصا مترنما باحثا في عمله في أدق التفاصيل عن الكمال الممكن و المستحيل في عمله ، و عندما كانت أولى البراعم تبدا في التفتح كان يتسلل ليلا إلى الحقل تحت جنح الظلام و يصيخ السمع مطولا جازما أن لتفتحها موسيقى خافتة يستشعرها في جزء ما من روحه المرتبطة بهذه الغبراء المسكونة بالأسرار و الشجن  .

كان يطيل تأمل قصيدته عندما تستقيم على بحر كامل الجمال وافر الخضرة بسيط التكوينات طويل النفس و يخبر العمال الذين يقتلعون الجدور عندما يحين موسم القلع :

  • كلع اودي كلع .. ديتيها باردة !

-يتبع-

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات

موقع سيدي بنور بريس جميع الحقوق محفوظة 2016