السبت 25 مارس 2017 - 18:37إتصل بنا |
عبد الحميد الغرباوي " لمْعَلـّم" بقلم الحبيب الدائم ربي

الكاتب : سيدي بنور بريس | 20/11/2015 09:44 | التعليقات : 0

عبد الحميد الغرباوي


  • الحبيب الدائم ربي

     من فرط محبتي للأستاذ عبد لحميد الغرباوي صرت لا أتذكر، بالضبط، متى التقيته  أول مرة، ذاك تفصيل غير مهم في سيرة مودتنا، الواقرة في الثنايا، الضاربة في النياط. لأن الأشخاص القريبين من نبضنا كانوا دوما فيه، وقبلهم ما كنا لنكون كما كنا وكما نكون. إنهم جزء معتبر من الكينونة، بهم تستوي وبهم تنشأ وتتنامى. ولئن كان لي أن أتوسل التقريب سأقول دونما تحفظ: لقد قابلته، في يوم في شهر في سنة، من "الزمن الجميل". حين كان  كتابنا وشعراؤنا  لايخطئون في قواعد النحو والصرف واللغة والبلاغة والعروض...  والإتيكيت  إلا قليلا. أي حين كان الكاتب والشاعر كاتبا بحق وشاعرا بحق. والمرجح أن ذلك ليس ببعيد في عمر الكتابة والإبداع، ربْع قرن ليس إلا. دعنا نقلْ إن ذلك تم على هامش لقاء من لقاءات "جمعية الشعلة" القصصية أيام كانت شعلة الكتابة شعلة حقا. علما بأنني كنت أعرفه من خلال كتاباته، وأواكبها بإعجاب، قبل هذا الوقت بكثير.  لنقترب أكثر من الصورة ولنفترض أن ما قاد المودة بيني وبين الغرباوي.....وئام. ستجذبني إليه قهقهته المجلجلة حين يصفو المزاج، وابتسامته التي يحاول إخفاءها فتخونه الأذنان. يراها الرائي تصّاعد من الصدغين لتتوزع بسخاء على السحنة الأسيلة ثم تعلو إلى "برج المرايا" لتتحول إلى قهقهة  جميلة تليق بكاتب جميل. إلا أننا سنظلم الرجلَ إذا ما اختزلناه في ضحكة وابتسامة وسلام وردّ، لأن الغرباوي، فضلا عن ذلك، هو بركان من الأحاسيس والأعاصير حين يدعو الداعي إلى خوض موقف أو التعبير عن رأي. وهو في ذلك جريء وشجاع وحاسم، وحين يتحصن سواه بالوسط  الرمادي طلبا للسلامة يجأر هو برأيه القاطع، بل والجارح أحيانا، ليعري سوءة الإمبراطور و "عري الكائن"، ويتجاسر  على عنق الوحش بتعليق الأجراس، دونما اكتراث بالعقابيل، وتلك سمة لايتصف بها إلا أولو شأن إبداعي عظيم. وهو إلى هذا عاطفي مرهف الإحساس تخونه الدمعتان، في الحالات الإنسانية القصوى، فينشج كطفل لايعرف كيف يداري الدمع الهتون.

والغرباوي الوسيم ذو السمت الفاره والبياض الجليل رجل أنيق المظهر والمخبر، دوما تجده هكذا، في معيشه وفي المتخيل، يختال كأمير، من دون افتعال، ، تزينه "شامات" الشموخ.  وحين يكتب يكون الأميرَ  مادامت الإمارة، والحال هذه، طوع يمينه وطوع البنان. هو إذن رقم معتبر، لايمكن تجاوزه، في معادلة الكتابة الإبداعية بالمغرب الحديث، إلا أنه، للأسف، لم يحظ بالاعتبار الذي يستحقه، لالشيء إلا لكونه واحدا منا. وهنا أستعيد ماقلته بشأنه ذات مرة:     

"إن كان من كاتب قد لحقه غبن الرفقة والصحاب، من النقاد، فهو عبد الحميد الغرباوي. هذا الكاتب متعدد المواهب والمشاء عبر الأجيال، والذي خاض في كل المحاتد والدروب الإبداعية. فكما كتب القصة القصيرة كتب الرواية، وكما كتب المقالة رسم اللوحة. وهو، إلى جانب كونه صحفيا، أديب وفنان تشكيلي ومؤلف تربوي ومترجم، يزاوج بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني، ويواكب الحراك الثقافي المغربي والعربي عن كثب ودراية. والإشارة إلى الغبن- هنا- لا ينبغي أن يفهم منها  أن الأستاذ الغرباوي شخص نكرة. إذ هو في ساحتنا الثقافية كنار على علم(كما يقولون)، وحضوره المتواصل لا ينكره إلا من على قلبه وعينه غشاوة. لقد تناولت أعماله بحوث وبيبليوغرافيات ومقالات وأطاريح جامعية.... لكنه تناول لا يرقى- بنظرنا- إلى تجربة الرجل  الطويلة في الكتابة و مكانته الأدبية والرمزية. من ثم تأتي هذه المساهمة الموجزة لتلح- من جديد- على  ضرورة الالتفات إلى  عوالم عبد الحميد الغرباوي الإبداعية الغنية والمتشعبة والتي  ما زال لم يكشف منها سوى القليل".

ورغم مواكبتي للمنتَج الإبداعي  الغزير للأستاذ عبد الحميد الغرباوي، ونصحي للطلبة  والدارسين باعتماد أعماله مواضيع للاشتغال الأكاديمي، إلا أنني أستشعر تقصيرا إزاءه وإزاء كتاباته. ولكأنه يحدس  هذا الشعور لدي  فإنه حين يلتقيني يخاطبني بـ"المُجْرم"، فأتقبل "توريته" بصدر رحب، لأنها لا تعدو أن تكون "صيغة من صيغ الكلام" ليس إلا، مادامت المحبة بيننا أقوى وأمتن. وهو وإن كان من مواليد الدار البيضاء وأنساغه من منطقة الغرب، كما يشي بذلك اللقب، إلا أنني استدرج طيبته لكي يكون مِني، أقصد لكي يكون من "البنورية"، ولأنه كريم فقد باح لي ذات مرة بأنّ الراحلة "أجمل الأمهات" تنحدر، فعلا، من سيدي بنور، ولا أدري إن كان الأمر حقيقة أم أنه كان يريد بذلك مشاطرتي "رائحة الشحمة في الشاقور". وفي كل الأحوال فنحن صنوان قريبان. تقربنا الكتابة والمجايلة والأحلام. ومحظوظ من يكون صديقا لعبد الحميد. الكاتب الكامل والمكمول، الصائل الجوّال.

ولأن عبد الحميد الغرباوي  خبرَ أسرار الكتابة وكيمياءها، طويلا، في مكابدات معيارية طاولت  الصحافة الرياضية والأجناس الأدبية السردية والبيداغوجيا والتشكيل ومعانقة الأصباغ والألوان والتصوير، تأليفا وترجمة، ورقيا وافتراضيا،فإن من حقة ، الآن،  أن يمد رجليه كي يجرّب في الإبداع على هواه، لأن رصيده من الخبرة والحضور يحصنه من أي خطل. فأعمال "لمَعْلمين" منزهة عن العبث، ففي حضورهم لانملك إلا الصمت لأننا  منهم نتعلّم.

تعليقات على الفايسبوك
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات

موقع سيدي بنور بريس جميع الحقوق محفوظة 2016